كتب…اشرف جمعه
تقولون إنكم تحبون أبناءكم أكثر من أي شيء آخر، ومع ذلك تسرقون مستقبلهم أمام أعينهم جهارًا نهارًا
غريتا ثانبيرغ، ناشطة في شؤون المناخ ومؤسسة الإضراب المدرسي من أجل المناخ

إن تغير المناخ يلحق الضرر بنا جميعًا، وسيظل يلحق بنا الأذى ما لم تتخذ حكوماتنا إجراءاتٍ للتعامل معه. غير أن الأرجح أن تكون آثارُه أوضح أكثر بالنسبة لمجموعاتٍ معينة – مثلاً، تلك المجتمعات المعتمدة على الزراعة والصيد البحري في تحصيل أرزاقها – فضلاً عن تلك الفئات المستضعفة والمحرومة والمعرضة للتمييز بالفعل.
وهذه بعض الطرق التي يمكن للتغير المناخي أن يفاقم فيها التفاوتات الاجتماعية ويؤدي ذلك حاليًّا من خلالها:
بين الدول المتقدمة والنامية:
على الصعيد الوطني، سيكون سكان الدول الصغيرة التي هي عبارة عن جزر، والدول الأقل نموًّا بين الأكثر تضررًا، وهم كذلك بالفعل الآن.
في دول الجزر الصغيرة المنخفضة والبلدان الأقل نموًّا من بين أشد الفئات تضررًا. فالناس في جزر المارشال يعانون على نحو منتظم من الفيضانات والعواصف المدمرة التي تدمّر بيوتهم وسبل عيشهم.
كما تصدّرت موجة الحرارة عام 2018 عناوين الأخبار في نصف الكرة الأرضية الشمالي في كافة أرجاء أوروبا وأميركا الشمالية، غير أن بعض أسوأ التأثيرات كانت محسوسةً كذلك في مناطق مثل باكستان، حيث قضى أكثر من 60 شخصًا- غالبيتهم عمال يعملون بالفعل تحت قيظ الحرارة اللاهبة – إذ تجاوزت درجات الحرارة 44 درجةً مئويةً.
بين العرقيات والطبقات المختلفة:
إن تأثيرات التغير المناخي، والتلوث الناجم عن الوقود الأحفوري، يتجاوز أيضًا الفوارق العرقية والطبقية. ففي أميركا الشمالية،
المجتمعات الأفقر من الملوّنين في الغالب هي التي تضطر إلى تنفّس الهواء السّام لأن احتمال أن تقع أحياؤها قرب محطات توليد الطاقة والمصافي أكبر. وتلك المتجمعات تعاني من ارتفاعٍ ملحوظ في معدلات أمراض الجهاز التنفسي وأمراض السرطان،
ونسبة أن يموت أميركيٌّ أفريقيُّ الأصل بسبب تلوث الهواء تعادل ثلاثة أضعاف ما عليه الحال لشخصٍ آخر من بقية سكان الولايات المتحدة.
بين النوعين الاجتماعيين:
إن النساء والفتيات يتأثرنَ على نحو غير متناسب بالتغير المناخي، وهو ما يعكس حقيقة أنهنَّ في كثير من البلدان أكثر عرضة للتهميش والحرمان. ومعنى هذا أنهنَّ أكثر تأثرًا بتأثيرات الأحداث ذات الصلة بالمناخ لأنهنّ أضعف من أن يحمينَ أنفسهنَّ في مواجهة تلك التأثيرات وسيجدنَ أنه من الأصعب عليهنَّ التعافي منها.
بين الأجيال:
إن أجيال المستقبل ستعاني من الآثار المتفاقمة إن لم تتخذ الحكومات إجراءاتٍ الآن. ورغم ذلك، يعاني الأطفال والشبان بالفعل بسبب عمليات الأيض في أجسامهم، وبسبب احتياجاتهم الفيزيولوجية والتنموية الخاصة. وهذا يعني، على سبيل المثال، أن التهجير القسري الذي تعاني منه المجتمعات المحلية،
ويؤثر على مجموعة شاملة من الحقوق – بدءًا من المياه، والصرف الصحي، والطعام، وصولاً إلى المسكن اللائق والصحة، والتعليم، والتنمية – سيضرّ على الأرجح بالأطفال على نحوٍ خاص.
بين المجتمعات:
إن الشعوب الاصلية هي من بين أكثر المجتمعات تأثرًا بالتغير المناخي. فكثيرًا ما يعيشون في أراضٍ مهمشة ومنظوماتٍ بيئيةٍ ضعيفةٍ حساسة على نحو خاص للتقلبات في البيئة المادية. وهذه الشعوب تحافظ على صلةٍ وثيقةٍ بالطبيعة وبأراضيها التقليدية التي تعتمد عليها سبل عيشها وهويتها الثقافية.
لماذا يعتبر تغير المناخ قضية حقوق إنسان؟
إن تغير المناخ هو قضية تتعلق بحقوق الإنسان؛ وذلك لا يعود فقط لكونه ذا تأثيراتٍ مدمرة تؤثر على التمتع بحقوق الإنسان، بل أيضًا لأنه ظاهرة من صنع البشر تستطيع الحكومات تخفيف حدتها.
كومي نايدو، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية
إن حقوق الإنسان ترتبط على نحوٍ وثيق الصلة بالتغير المناخي بسبب أثره المدمر الذي لا يقتصر على البيئة فقط؛ بل يشمل أيضًا رفاهية حياتنا الخاصة.
وعدا عن تهديد التغير المناخي لوجودنا نفسه، فإنه يتسبب في تأثيراتٍ ضارةٍ على حقوقنا في الحياة، والصحة، والغذاء، والماء، والمسكن، وسبل المعيشة.
وهذه بعض الطرق التي يؤثر بها تغيّر المناخ وسيؤثر بها على حقوق الإنسان الخاصة بنا:
وكلما طال أمد انتظار الحكومات حتى تتخذ تدابير ذات معنى، ازدادت صعوبة التوصل لحل للمشكلة، وتعاظَمَ الخطرُ من خفض الانبعاثات الغازية باستخدام وسائل تزيد التباين والتفاوت بدلاً من تقليصه.
الحق في الحياة – لنا جميعًا الحق في الحياة، والحق في العيش في حريةٍ وأمان. لكن التغير المناخي يهدد سلامة مليارات البشر على هذا الكوكب. وأوضحُ الأمثلة على ذلك هو ما نراه عبر الأحداث المتعلقة بالطقس المتطرف، مثل العواصف، والفيضانات،
والحرائق الكبيرة. فقد أسفر إعصار “يولاندا” في الفلبين عن مصرع نحو 10000 شخص في عام 2013. كما يُعدّ الإجهاد الحراري من بين الآثار الأكثر فتكًا بالحياة. فقد أودت موجة الحرارة الصيفية في أوروبا في عام 2003 بحياة 35000 شخص. لكن، هناك الكثير من الطرق الأخرى الأقل وضوحًا التي يهدد من خلالها التغيّرُ المناخي حياة البشر. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يوديَ تغيّرُ المناخ بحياة 250000 شخص في السنة بين عامي 2030 و 2050، بسبب مرض الملاريا، وسوء التغذية، والإسهال، والإجهاد الحراري.
الحق في الصحة – من حقنا جميعًا التمتع بأعلى مستويات الصحة البدنية والعقلية التي يمكن الحصول عليها. وحسب “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ”، ستشمل الآثار الصحية الرئيسية للتغير المناخي زيادة خطر التعرض للإصابة {بسبب حادث}،
والمرض، والوفاة بسبب موجات الحر والحرائق الأكثر شدةً؛ وزيادة خطر نقص الغذاء بسبب تناقص إنتاج الأغذية في المناطق الفقيرة؛ وزيادة مخاطر الأمراض التي تنقلها الأطعمة والمياه، والأمراض التي تنقلها الحشرات. إن الأطفال الذين يتعرضون لأحداثٍ صادمةٍ نفسيًّا كالكوارث الطبيعية، التي يفاقمها التغير المناخي، قد يعانون من اضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة.
إن التأثيرات الصحية للتغير المناخي تتطلب استجابةً مستعجلة، إذ أن الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة يهدد بتقويض المنظومات الصحية والأهداف الصحية العالمية الأساسية.
الحق في المسكن- من حقنا كلنا الحصول على مستوى معيشةٍ لائق لأنفسنا ولأُسرنا، بما في ذلك السكن المناسب. لكن التغير المناخي يهدد حقنا في السكن بأشكالٍ مختلفة. فظواهر الطقس المتطرف، كالفيضانات والحرائق الكبيرة، تدمر بالفعل بيوت الناس، وتتسبب في تشرّدهم. كما يمكن للجفاف والتعرية، والفيضانات أن تغيّر البيئة مع مرور الوقت بينما يهدد ارتفاع مستويات مياه البحار منازلَ الملايين من البشر في المناطق المنخفضة في كافة أرجاء العالم.
الحق في الحصول على المياه والصرف الصحي – من حقنا جميعنا الحصول على المياه السليمة للاستخدام الشخصي والمنزلي والحصول على الصرف الصحي الذي يضمن لنا أن نبقى في صحةٍ جيدة.
غير أن توليفة من العوامل كذوبان الثلوج والجليد، وانحسار سقوط الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى مياه البحار، تظهر أن التغير المناخي يؤثر على نوعية وكمية الموارد المائية، وسيبقى يؤثر عليها. بالفعل هناك أكثر من مليار إنسان لا يحصلون على المياه النظيفة، والتغيرُ المناخي سيفاقم هذا سوءًا.
إن ظواهر الطقس المتطرف كالأعاصير والفيضانات ستؤثر على البنى التحتية الأساسية للمياه والصرف الصحي، مخلـّفة مياهًا ملوثةً، وبهذا تسهم في انتشار الامراض التي تنقلها المياه. كما ستتأثر شبكات الصرف الصحي، خصوصًا في المناطق الحضرية.